محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

213

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

أخرى الملابس أن تلقى الحبيب به * يوم التزاور في الثوب الذي خلعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي * والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا ربما وجدت من المزيد في الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة . ورود الفاقات يحصل بها للمريد مزيد كثير من صفاء القلب وطهارة السريرة ، وقد لا يحصل له ذلك بالصوم والصلاة ؛ لأن الصوم والصلاة قد يكون له فيهما شهوة وهوى - كما تقدم - وما كان هذا سبيله لا يؤمن عليه فيه من دخول الآفات ، فلا يفيده تحلية ولا تزكية ، بخلاف ورود الفاقات ؛ فإنها مباينة للهوى والشهوة على كلّ حال ، وقد تقدّم نحو من هذا المعنى عند قوله : ( إذا فتح لك وجهة من التعرّف فلا تبال معها إن قلّ عملك . . . الخ ) . الفاقات بسط المواهب . الفاقات تحضره مع الحقّ وتجلسه على بساط الصدق ، وناهيك بما يكون في تلك المحاضرة والمجالسة من المواهب الربّانية والنفحات الرحمانية . إن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك ، إنما الصدقات للفقراء والمساكين . هذا مثل ما ذكره الآن ، وذكر الآية عقيبه إشارة بديعة ، وتصحيح الفاقة والفقر هو : التحقق بأوصاف العبودية المذكورة في المسألة التي تأتي بأثر هذه ، ومما يتعلّق بظاهر الآية التي استشهد بها المؤلف على طريقة القوم ما قال بعضهم : « صدق الفقير أخذه الصدقة ممن يعطيه ، لا ممن تقبل إليه على يده » فالحق تعالى هو المعطي على الحقيقة ؛ لأنه جعلها لهم ؛ فإن قبلها من الحقّ فهو الصادق في فقره لعلوّ همته ، ومن قبلها من الوسايط فهو المتوسّم بالفقر مع رداءة همّته . تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ، تحقق بذلّك يمدك بعزّه تحقق بعجزك يمدك بقدرته ، تحقق بضعفك يمدّك بحوله وقوّته . هذا مناسب لما ذكره من الفاقات والمواهب ، وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : ( كن بأوصاف ربوبيته متعلقا ، وبأوصاف عبوديتك متحقّقا ) . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، بعد كلام ذكره : « وتصحيح العبودية بملازمة الفقر والعجز والضعف والذلّ للّه تعالى ، وأضدادها أوصاف الربوبية . . فما لك ولها ، فلازم أوصافك وتعلّق بأوصافه ، وقل من بساط الفقر الحقيقي : يا غنيّ من للفقير غيرك ؟ ومن بساط الضعف : يا قويّ من للضعيف غيرك ؟ ومن بساط العجز : يا